لبيك يا الله يا رحمن لبيك، القلب يا رحمن ما أقساه، والذنوب ثقيلة، لبيك ربي ومن ذا يقيل الذنب إلا الله، لبيك ربي من كل الفؤاد نقولها رحماك يا الله يا غفار، كلمات قليلة تختصر رحلة الإنسان بين الضعف والرجاء، والخوف من الذنب والأمل في عفو الرحمن، ومع إشراقة يوم عرفة، أعظم أيام الدنيا وأقربها إلى نفحات المغفرة والعتق من النيران، تتجدد في القلوب معاني الإنابة والعودة إلى الله، حيث يقف الحجاج على صعيد عرفات رافعين أكف الضراعة، وتلهج الألسن بالتلبية والدعاء، فيما تتطلع قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلى رحمة واسعة تمحو الزلات وتغسل أدران النفوس، وفي هذا المشهد الإيماني المهيب، يدرك الإنسان حاجته الملحة إلى لحظة صدق مع ذاته، ووقفة خاشعة يراجع فيها مسيرته، ويجدد عهده مع ربه، مستظلًا بفيض رحمته التي وسعت كل شيء، وموقنًا أن باب التوبة مفتوح، وأن العودة إلى الله هي النجاة الحقيقية مهما عظمت الذنوب وتراكمت الأخطاء فيعود إلى ربه وقد امتلأ يقينًا بأن المغفرة الإلهية قادرة على أن تمحو آثار الخطايا، وتبعث في القلب نورًا جديدًا وحياةً عامرة بالإيمان والأمل.
لقد خلق الله الإنسان ضعيفًا بطبعه، يزل ويخطئ، ثم ينهض باحثًا عن طريق الهداية والنجاة، ولم يجعل العصمة إلا لأنبيائه ورسله، ولكن الخطر كل الخطر يكمن في الاستسلام للذنب والإصرار عليه، أو القنوط من رحمة الله التي وسعت كل شيء، فالذنوب تترك في القلب ندوبًا خفية وآثارًا عميقة، تورث صاحبها وحشةً بينه وبين ربه، وتحجب عنه لذة الطاعة وحلاوة الإيمان وسكينة القرب من الرحمن، وقد تظهر هذه الوحشة في اضطراب النفس رغم توافر أسباب الراحة، وفي شعورٍ بالقلق رغم مظاهر النجاح، أو في فراغٍ روحي يثقل القلب على الرغم من كثرة النعم والإنجازات.
نشاهد اليوم توالى مشاهد الحروب والأزمات والكوارث الإنسانية، وتتسارع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، مما يزداد شعور الإنسان بضعفه وحاجته إلى سند روحي يمده بالطمأنينة والثبات، فالتقدم المادي الهائل، على أهميته، لم ينجح في تبديد القلق من النفوس أو منح البشرية السعادة المنشودة، ولكن رصد زيادة معدلات التوتر والاكتئاب والشعور بالعزلة في مختلف المجتمعات، الأمر الذي يؤكد أن الإنسان لا يحيا بالإنجازات المادية وحدها، وإنما يحتاج إلى غذاء للروح يملأ قلبه بالمعنى والأمل والسكينة، ومن ثم تتجلى عظمة الإيمان كقوةً داخلية متجددة تمنح الإنسان القدرة على مواجهة المحن والتحديات بثقة ويقين، ومع نفحات يوم عرفة المبارك، تتعاظم هذه المعاني في النفوس؛ حيث تتوجه القلوب إلى الله خاشعةً راجية، وتستشعر قرب رحمته وعظيم فضله، فيدرك المؤمن أن الطمأنينة الحقيقية تنال بالقرب من الله، وأن أبواب المغفرة مفتوحة لكل من أقبل بقلب تائب ونفسٍ صادقة، يلتمس العفو ويستضيء بنور الهداية.
التوبة هي ميلاد جديد للروح، وتحول صادق في مسار القلب والسلوك، ينتقل به الإنسان من التقصير إلى السعي في مرضاة الله، وتبدأ التوبة باعتراف صادق بالخطأ، يعقبه ندم يطهر النفس، وعزم راسخ على الإصلاح واستدراك ما فات، ومن أعظم مظاهر رحمة الله بعباده أنه لم يجعل بينهم وبين المغفرة حجابًا، فأبقى أبوابها مشرعة لكل من قصدها بقلب منيب، مهما أثقلته الذنوب أو طال به طريق الغفلة، ومع نفحات يوم عرفة، تتجسد هذه المعاني بأبهى صورها؛ فهو يوم تتنزل فيه الرحمات وترجى فيه الإجابات، وتتعلق فيه القلوب بعفو الله وكرمه، طامعة في صفحة بيضاء جديدة عنوانها الصفاء والقرب من الرحمن، وفي هذا اليوم المبارك يزداد المؤمن إقبالًا على الاستغفار، ذلك الذكر العظيم الذي جعله الله مفتاحًا للفرج وسببًا لمحو الزلات وطمأنينة النفوس، فكان دأب الأنبياء والصالحين رغم رفعة شأنهم وعلو منزلتهم، وما أحوج الإنسان إلى أن يكثر منه في ساعات عرفة المباركة، مستشعرًا معاني الافتقار إلى الله، وموقنًا بأن كلمة (أستغفر الله) إذا خرجت من قلب صادق قادرة على أن تبدد ظلمات الغفلة، وتوقظ الضمير، وتفتح أمام صاحبها آفاق الأمل والسكينة والرجاء.
وتمتد ثمار التوبة من المغفرة لتمنح الإنسان قوة نفسية وروحية تعينه على مواجهة الإخفاقات والأزمات بثبات وأمل، فالمؤمن الذي يوقن بسعة رحمة الله لا يستسلم لليأس مهما اشتدت المحن أو تعثرت الخطى، ولا يسمح لأخطاء الماضي أن تقف حائلًا بينه وبين مستقبل أفضل، إنما ينظر إلى الحياة كفرصة متجددة للإصلاح والتغيير والبناءن ومن ثم كانت أعظم التحولات في حياة كثير من الناس تبدأ من لحظة مراجعة صادقة للنفس وقرار شجاع بالعودة إلى الطريق المستقيم بعد فترات من الغفلة أو الانشغال بزخارف الدنيا، ونحن في عصر تتزاحم فيه الشواغل وتتسابق فيه وسائل الاتصال الحديثة على جذب الانتباه واستنزاف الوقت، تزداد حاجة الإنسان إلى وقفات صادقة مع ذاته يستعيد خلالها صفاء روحه وتوازن قلبه.
فرغم ما تقدمه التكنولوجيا من فوائد وفرص واسعة للتواصل والمعرفة، فإن الإفراط في الانشغال بها قد يحجب الإنسان عن لحظات التأمل والمحاسبة التي يحتاجها لاستقامة حياته، ولهذا تأتي نفحات يوم عرفة لتذكر المؤمن بأهمية الخلوة مع الله والانقطاع عن صخب الدنيا ولو لساعات، يراجع فيها أعماله، ويجدد نياته، ويرفع أكف الضراعة إلى ربه، مستشعرًا أن أعظم مكاسب هذا اليوم ليست فيما يملكه الإنسان من متاع زائل، إنما فيما يحمله قلبه من إيمان، وما يناله من سكينة، وما يرجوه من عفو ومغفرة تفتح أمامه أبواب الأمل وبدايات جديدة أكثر قربًا من الله واستقامةً على هداه.
وفي ظل التحديات الفكرية والاجتماعية التي نشهدها جلية، تبرز الحاجة إلى خطاب إيماني تربوي متوازن يربط بين العبادة والايمان وبين العمل وتحمل المسؤولية، ويجسد القيم الدينية في واقع الحياة اليومية، فالتوبة الحقيقية تترجم نفسها إلى سلوك عملي ينعكس على تعامل الإنسان مع من حوله، فمن صدقت عودته إلى الله ظهرت آثارها في أخلاقه وتصرفاته، فازداد برًّا بأسرته، وإحسانًا إلى جيرانه، وأمانةً في عمله، وحرصًا على أداء واجباته تجاه مجتمعه ووطنه. والتائب الصادق هو الأكثر التزامًا بالصدق والنزاهة، والأشد حرصًا على حفظ الحقوق وأداء الأمانات، والأسبق إلى مد يد العون للمحتاجين ومساندة الضعفاء ونشر قيم الرحمة والتكافل بين الناس، ومن ثم تتجلى حقيقة الإيمان كمنظومة أخلاقية متكاملة تظهر آثارها في كل قول وعمل وموقف، فتسهم في بناء الفرد الصالح والمجتمع المتماسك، وتزداد هذه المعاني حضورًا في يوم عرفة المبارك، الذي يرسخ في النفوس قيم المراجعة والإصلاح وتجديد العهد مع الله، ليعود المسلم منه أكثر التزامًا بمبادئه، وأعمق إحساسًا بمسؤوليته تجاه نفسه وأسرته ومجتمعه، مستلهمًا من روح هذا اليوم العظيم معاني الخير والعطاء والإحسان.
ومع تعاظم حاجة الإنسان إلى الأمل وسط ما يشهده من أزمات وتحديات، تبقى رحمة الله أعظم من كل خوف، ومغفرته أوسع من كل ذنب، وفضله أكبر من كل تقصير، فما من إنسان إلا وله نصيب من الخطأ، وما من قلب إلا ويحتاج بين الحين والآخر إلى تجديد صلته بربه واستعادة صفائه الروحي، وليس هناك طريق أقرب إلى الطمأنينة وأعمق أثرًا في النفس من التوبة الصادقة والاستغفار الدائم والإنابة الخالصة إلى الله، وتتجلى هذه المعاني بأبهى صورها في يوم عرفة، يوم الرحمة والرجاء، حين تتعلق القلوب بعفو الله، وتلهج الألسن بالدعاء، وتسمو الأرواح فوق هموم الدنيا ومشاغلها، طامعةً في مغفرة تمحو الذنوب وتفتح أبواب الخير والسكينة، وفي تلك الساعات المباركة يردد المؤمن من أعماق قلبه نداء يختصر معاني العبودية والخضوع والثقة بالله (لبيك يا الله لبيك)، مستشعرًا قرب ربه ورحمته التي لا يحدها حد.
وتبقى رحلة العودة إلى الله أعظم رحلة يخوضها الإنسان في حياته؛ فهي رحلة تبدأ بيقظة القلب وتنتهي بسكينة الروح ورضا الخالق سبحانه، وكلما أثقلت الذنوب كاهله، أو أحاطت به الهموم، أو ضاقت أمامه السبل، فليتذكر أن أبواب الرحمة لا تغلق في وجه التائبين، وأن الله تعالى أرحم بعباده من أنفسهم، وأن فضله أعظم من تقصيرهم، وعفوه أوسع من خطاياهم، وما أجمل أن يقبل المؤمن بقلبه قبل أن يرفع يديه إلى السماء، مناديًا ربه بيقين وثقة (يا الله)، فذلك النداء الصادق قادر على أن يبدد ظلمات اليأس، ويحيي في النفس معاني الأمل، ويمنحها قوةً تمضي بها في طريق الإصلاح والثبات. فطوبى لمن جعل التوبة منهاجًا لحياته، والاستغفار أنيسًا لأيامه ورفيق دربه، والرجاء نورًا وزادًا لقلبه، ورفع أكف الضراعة في كل وقت وفي كل أحواله، عند الشدة والرخاء، وعند الفرح والابتلاء لبيك يا الله لبيك، رحماك يا الله، رحماك يا أرحم الراحمين.
بقلم
أ.د/ مها عبد القادر
أستاذ أصول التربية
كلية التربية للبنات بالقاهرة - جامعة الأزهر